السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

427

مفاتيح الأصول

العقاب الثالث أنه لو أسقطت العقاب لعظيم ثوابها لما اختص بها بعض الذنوب عن بعض فلم يكن إسقاطها لما هي توبة عنه بأولى من غيره لأن الثواب لا اختصاص له ببعض العقاب دون بعض ثم إن المصنف أجاب عن حجة المخالف وتقريرها أن التوبة لو أسقطت العقاب لذاتها لأسقطته في حال المعاينة وفي الدار الآخرة والجواب أنها إنما تؤثر في الإسقاط إذا وقعت على وجهها وهي أن تقع ندما على القبيح لقبحه وفي الآخرة يقع الإلجاء فلا يكون النّدم للقبح الرّابع عشر إذا صدر من المكلف معصية ثم لم يقدر على الإتيان بها لفقد آلتها كما إذا زنى ثم جبّ فهل يتحقق منه التوبة وتجب عليه أو لا فيه خلاف كما أشار إليه في شرح المقاصد فقال الزاني المجبوب أي الذي زنى ثم جب إذا ندم على الزنا وعزم أن لا يعود إليه على تقدير القدرة فهل يكون ذلك توبة منعه أبو هاشم وزعم أنه لا يتحقق منه العزم على عدم الفعل في المستقبل إذ لا قدرة له على الفعل وقال به الآخرون بناء على أنه يكفي لتلك الحقيقة تقدير القدرة انتهى والمسألة لا تخلو من إشكال إلا أن القول الثاني في غاية القوة الخامس عشر قال في شرح المقاصد إن قلنا لا يقبل ندم المجبوب فمن تاب عن معصية لمرض مخيف هل يقبل ذلك منه لوجود التوبة أو لا يقبل لأنه ليس باختياره بل بإلجاء الخوف إليه فيكون كالإيمان عند البأس فظهور ما يلجئه إليه فإنه غير مقبول إجماعا والترديد الذي ذكره المصنف في توبة المرض المخيف لما نقله الآمدي من الإجماع على القبول كما مر انتهى السادس عشر قال في شرح المقاصد شرط المعتزلة في التوبة أمورا ثلاثة أولها رد المظالم فإنهم قالوا شرط صحة التوبة عن مظلمة الخروج عن تلك المظلمة وثانيها أن لا يعاود ذلك الذنب الذي تاب عنه أي ذنب كان وثالثها أن يستديم على الذنب المتوب عنه في جميع الأوقات وهي عندنا غير واجبة في صحة التوبة أما ردّ المظالم والخروج عنها بردّ أو الاستبراء عنه والاعتذار إلى المغتاب واسترضائه إن بلغه الغيبة ونحو ذلك فواجب برأسه لا مدخل له في الندم على ذنب آخر قال الآمدي إذا أتى بالمظلمة كالقتل والضّرب مثلا فقد وجب عليه أمران التوبة والخروج عن المظلمة وهو تسليم نفسه مع الإمكان ليقتصّ منه ومن أتى بأحد الواجبين لم يكن صحّة ما أتى به متوقفا على الإتيان بالواجب الآخر كما لو وجب عليه صلاتان فأتى بأحدهما دون الأخرى وأما أن لا يعاود أصلا إلى ما تاب عنه فلأن الشخص قد يندم على الأمر زمانا ثم يبدو له والله تعالى مقلَّب القلوب من حال إلى حال قال الآمدي التوبة مأمور بها فيكون عبادة وليس من شرط صحة العبادة المأتي بها في وقت عدم المعصية في وقت آخر بل غايته أنه إذا ارتكب ذلك مرّة ثانية وجب عليه توبة أخرى عنه وأما استدامته للندم في جميع الأزمنة فلأن النادم إذا لم يصدر عنه ما ينافي ندمه كان ذلك الندم في حكم الباقي لأن الشارع أقام الحكمي أي الأمر الثابت حكما مقام ما هو حاصل بالفعل كما في الإيمان فإن النائم مؤمن بالاتفاق ولما في التكليف باستدامة الندم من الحرج المنفي عن الدّين قال الآمدي يلزم من ذلك إخلال الصّلاة وباقي العبادات وأن لا يكون بتقدير عدم استدامته ويذكره تائبا وأن يجب عليه إعادة توبة وهو خلاف الإجماع والأقرب عندي ما صار إليه في شرح المقاصد وفي شرح التجريد وليس ذلك الَّذي ذكرنا من تسليم النفس وأداء الواجب أو قضائه أو إيصال الحق إلى صاحبه أو العزم وغير ذلك جزءا من التوبة بل هو واجب آخر خارج عن التوبة فتركه لا يمتنع سقوط العقاب بالتوبة قال إمام الحرمين إن القائل إذا ندم من غير تسليم نفسه للقصاص صحت توبته في حق الله تعالى وكان منعه القصاص من مستحقه معصية مجدّدا يستدعي توبة أخرى ولا يقدح في التوبة عن القتل وفي التجريد ليس ذلك جزءا من التوبة السّابع عشر قال في شرح المقاصد لهم في التوبة الموقتة مثل أن لا يذنب سنة وفي التوبة المفصّلة نحو أن يتوب عن الزنا دون شرب الخمر خلاف مبني على أن الندم إذا كان لكونه ذنبا عم الأوقات والذنوب جميعا أو لا يجب عمومه لها فذهب بعضهم إلى أنه يجب العموم لأنه إذا ندم على ذنب في وقت ولم يندم على ذنب آخر أو في وقت آخر ظهر أنه لم يندم عليه لقبحه وإلا ندم على قبائحه كلها لاشتراكها في العلَّة المقتضية للندم وندم أيضا في جميع الأوقات وإذا لم يكن ندمه لقبحه لم يكن وذهب آخرون منهم إلى أنه لا يجب ذلك العموم كما في الواجبات فإنه قد يأتي المأمور ببعضها دون بعض وفي بعض الأوقات ببعضها دون بعض ويكون المأتي بها صحيحا في نفسه بلا توقف على غيره مع أن العلَّة المقتضية للإتيان للواجب هي كون الفعل حسنا واجبا فإن قيل مراتب مختلفة في الأفعال ويتفاوت اقتضاؤها بحسب الأوقات قلنا مراتب القبح أيضا كذلك والأشاعرة وافقوا هؤلاء في صحة التوبة مفتاح من جملة أقسام الخبر المتواتر وقد تضمن جملة من عبارات الأصوليين لتعريفه وبيان معناه ففي النهاية التواتر لغة مجيئ الواحد بفترة بينهما قال تعالى ثم أرسلنا رسلنا تترى أي رسولا بعد رسول بينهما فترة وكذا في الاصطلاح عبارة عن توارد الأخبار على السّمع خبرا بعد خبر لكن بشرط أن يكثر الأخبار إلى أن يحصل العلم بقولهم وفي شرح المبادي لفخر الإسلام المتواتر هو الخبر الذي يفيد بنفسه العلم فخرج ما يفيد العلم بانضمام القرائن وفي المنية اعلم أن لفظ التواتر لغة عبارة عن مجيئ الواحد بعد الواحد بفترة بينهما ومنه قوله تعالى ثم أرسلنا رسلنا تترى أي رسولا بعد رسول بفترة بينهما وأما بحسب الاصطلاح فهو عبارة عن خبر أقوام بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم وفي المعالم المتواتر هو خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقة وفي